أحمد مصطفى المراغي

80

تفسير المراغي

الإيضاح ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي إن سنتنا في هذا الرسول كسنتنا في الرسل قبله ، فما نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن اللّه ، فمن خرج عن طاعتهم أو رغب عن حكمهم ، خرج عن حكمنا وسنتنا وارتكب أكبر الآثام . وجئ بقوله : بإذن اللّه ، لبيان أن الطاعة الذاتية لا تكون إلا للّه رب العالمين ، لكنه قد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه . ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) أي ولو أن أولئك القوم حين ظلموا أنفسهم ورغبوا عن حكمك إلى حكم الطاغوت - جاءوك فاستغفروا اللّه من ذنبهم وندموا على ما فرط منهم وتابوا توبة نصوحا ودعا لهم الرسول بالمغفرة ، لتقبل اللّه توبتهم وغمرهم بإحسانه ، فرحمته وسعت كل شئ . وإنما قرن استغفار الرسول باستغفار اللّه ، لأن ذنبهم لم يكن ظلما لأنفسهم فحسب بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث إنهم أعرضوا عن حكمه وهو صاحب الحق في الحكم وحده ، فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما فرط منهم أن يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم ، لأنهم اعتدوا على حقه ، وليدعو لهم بالمغفرة ، إذ أعرضوا عن حكمه . وفي الآية إيماء إلى أن التوبة الصحيحة تقبل حتما إذا استكملت شرائطها ، ومنها أن تكون عقب الذنب مباشرة ، وقد سمى اللّه ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس ، أي إفسادا لها ، لأن الرسول هو الهادي إلى مصالح الناس في الدنيا والأخرى ، وهذا الظلم شامل للاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك . والاستغفار لا يكون مقبولا إلا إذا ناجى العبد ربه عازما على اجتناب الذنب وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص للّه في ذلك - أما الاستغفار باللسان عقب